السيد كمال الحيدري

12

معرفة الله

ولذا نريد التأكيد مرّة أخرى أنّ جميع المراتب المعرفية الأولى ( إثبات الواجب ، وتوحيده ، ومعرفته ) إنّما هي معارف فطرية لا يمكن أن تنالها يد التأسيس مهما علت مراتبنا وزكت أنفسنا وطهرت قلوبنا وكمُلَت عقولنا ، فهي مؤسَّسة من قبْل ومُودعة في قلب وفطرة كلّ إنسان منذ انطلاقته الأولى ، وخير شاهد وشهيد على ذلك هو شهادة الإنسان الأولى في يوم العهد والميثاق . فجميع ما يُمكن عرضه في أبحاث « طرق معرفة الله » لا يخرج عن دائرة الكشف ، بل إنّ هذا الكشف لم يؤسّس الإنسان له كاملًا كما عرفت وإنّما زُوّد بمنابع قرآنية وروائية ومرتكزات فطرية أعطته الصياغة الأولى ليبدأ هو معها رحلة تأمّلية خالصة يجوب بها وفيها عوالم الغيب التي يُجلّيها السير الحقّي إلى عوالم شهود وحضور ، بل إلى عالم شهود وحضور واحد لا غير ، حيث لا يرى فيه غير الحقّ سبحانه ، بل شهود خالص لا غير بلا عالمية مشيرة إليه ، فلا شيء سواه يُشار به إليه ، وبذلك يكون العبد الفاني معنىً حرفياً خالصاً على نحو التحقّق ، يظهر معناه في الشاهد والمشهود جلّت قدرته . وعندئذ يُعاين الإنسان بخفائه الحقّي وفنائه الصحويّ تلك الحقيقة الحقّة التي نحن على طرف نقيض منها وهي أنّ الله سبحانه ظاهر ما غاب قطّ وأنّ العالم غائب ما ظهر قطّ « 1 » . وعلى أيّ حال ، ولكي لا نخرج كثيراً عن مطلبنا الأوّل وهو كون أصل المعرفة الحقّة بالله تعالى لا نملك حيالها سوى الكشف عنها أو التوسّل

--> ( 1 ) الكلمة منسوبة لابن عربي نقلها الشهيد مطهري ، انظر : دروس فلسفية في شرح المنظومة ، للأستاذ الشهيد الشيخ مرتضى مطهّري ، ترجمة مالك وهبي ، نشر مكتبة شمس المشرق للخدمات الثقافية ، الطبعة الأولى ، 1414 ه ، بيروت ج 1 ص 126 .